كتابات عن أعماله

حينما أجلس كل ليلة أمام لوحاتيفكأني أعبر الطريق إلى الجليلوأبوس التراب.”

عبد الحي مسلم

مسافر مع اللون ونشارة الخشب إلى فلسطين

مجلة فلسطين المحتلة

1980

كان يعمل في أحد الأماكنيقوم بواجبه بالعمل على أحسن ما يرام. وفي الصباح يخرج مع أحد أبنائه إلى الشاطئ، شاطئ البحر الأبيض المتوسط، يلملم قطع خشب تكون قذفتها الأمواج إلى الشاطئ..

ينظر إلى الأخشاب وهي تترنح على الشاطئ بعد رحلة طويلة، فيرى فيها صوته، شخصه، حيث قذفت به الأقدار من وسط فلسطين إلى ذلك المكان.

وكان بعد أن يعود بألواح الخشب إلى البيت، يذهب إلى المناجر، فيرجو صاحب المنجرة أن يسمح له بكناسة المنجرة مقابل أن يحصل على كمية من نشارة الخشب الناعم.

يسأل صاحب المنجرة هذا الرجل عما يفعله بهذه النشارة، فيبتسم صاحبنا، وغليونه في فمه، ويقولإنني أسافر عبرهاإنها يا عم قصة طويلةويمضي إلى البيت.

وفي محترفه الصغير، في إحدى زوايا البيت يجلس عبد الحي ليسافر إلى فلسطينويمر على كل البقاع والمواقع، فها هي كفر قاسم، وتلك حلحول، القدس، عمواس، غزة، صفد، صور، النبطية، العرقوب.

وعلى متن قلبه يسافر، وبيديه وعينيه ينقش صور الرحلة الطويلة إلى فلسطين بكل الصدق والوعي، حتى يكاد يحفر عيني مشاهدي أعماله الفنية هوية فلسطينية محدودة واضحة ساطعة كالشمس. ذلك هو عبد الحي مسلم.

القنبلة في اليد كالزهرة!

د. ناديا خوست

الموقف العربي دمشق

1983

مملكة الفنان، دكان صغيرة في آخر مخيم اليرموك بدمشق، تكتظ باللوحات. وبيت إلى جانبها دون لوحات فيه قرب الباب حصير تخلع عنده نعليك وتحس بالسجادة تحت قدميك. تصادف فيه أولاده وقريبته العجوز، وعليها الحلي القديمة تحت غطاء الرأس الأبيض والملابس الفلسطينية. في هذه الجمهورية الصغيرة تحفظ المواويل الفلسطينية القديمة عبقها، وتتردد لهجة القرية كما كانت سنة 1948. ويعيش مذاق الحياة الذي مسحته ضجة الشوارع، والطموح إلى السلع والملابس والتحف. في بيت الفنان ومشغله، وأنت تشرب مزيج الشاي والنعناع، تنتبه إلى الفرق بين مزاج الرجل الشعبي الذي يحمل هم الوطن العام وهو يعيش تفاصيل الحياة الدافئة فلا ينكسر، وبين مزاج المثقف الذي تكتظ حوله المجردات فيتلوع على وجوه ذلك الهم، ويفقد نضارته. مادة الفنان: نشارة الخشب التي يجمعها من النجارين. أدواته: ملعقة الشاي، ملعقة الأكل، سكين، وبضع ريشات. عجينته التي يشكل منها قامات هيفاء فاتنة: من الغراء الأبيض ونشارة الخشب، يضعها على خشب. ثم يبردها بالمبرد. قد يلونها، وإذا لونها تناول ألوان تلك البيئة، والطبيعة القريبة من الإنسان، ألوان أكله وشجره وبيته. مادة بسيطة! أليست الروايات والشعر من كلمات الناس. والتماثيل الجميلة من حجر موجود في الطبيعة. والتحف النادرة من طين. واللوحات من ألوان أساسية معروفة؟ لكنه يضع في تلك المادة البسيطة أشكاله. يدخل الموال في الشلك الفني، بما فيه من شهر ومن أصالة وروح. يدخله في خطوط القامة، ورشاقة المرأة، وضفائرها، ويسحرنا بها. فالجسم الأنثوي الفاتن، الذي تستقيم فيه معايير الجمال الحديثة، هو جسم فلاحة، ثوبها طويل وضفائرها ثخينة، جسم يتحرك في أوضاع مستحيلة، دون أن يبدو أن ذلك غير حقيقي.، دون أن يبدو مجرداً، بارداً، أو يفقد حرارته بوضعه الإنساني. هنا، تنتبه أول مرة إلى النقص في اللوحات لتي ابتكرت أوضاعاً حركت فيها الجسم كأنها تطلقه، لكنها جعلته غير إنساني وأفقدته حرارته. تستلقي فتاة ذات ضفيرة على الأرض. وترخي عليها جسمها، وتحس أنت عندئذ بأن المساحة الفارغة من الخشب مفيدة كي تبرز ذلك الجسم. تلك الفتاة هي الغدير، ماء الربيع الصافي الذي يتدفق بحيوية في جبل

اللوحات: مواويل الفرح

تحس في خطوط الأجسام البسيطة بالفرح. تتذكر الحياة التي تحمل أعلامك وسيوفك لأجلها. وتنتبه إلى غناها وسعتها. وتسمع النغمات المتنوعة في موالها. يقف رجل وامرأة على غصن، كأنها فرعان منه، ويبدو لك، كأنما تنتبه أول مرة إلى فتنة الحياة في الجسم البشري. وتستعيد المواويل المنسية، وتتذكر ما نسيته في الكون، ما تجمع الحياة من تفاصيله نكهتها. تضع الفتاة يدها على رأسها، وتفرد قامتها: “ظليت أداريك، وأحط البلح في إيدك، عليش يا زين تكرهني وأنا أريدك؟يعود الحب الرقيق والأسى والعتب، ما نحكم عليه نحن أحكاماً صارمة ونصفه تحرراً أو تخلفاً أو صراعاً، إلى مكانه في علاقات في نسيج دافئ من حياة نساء ورجال. يا حلو، لا تشوفني طيب وأنا وجعان، إن مت يا زين، كفني بورق ريحان.” يقف الرجل حزيناً في يده شبابته، وتقف الفتاة ممشوقة، تضع يداً على شعرها، ويداً على الشال. يصوغ الموال عواطف الناس، ويثبت مواسمهم. البقاء والفراق، قطف الزيتون، والحصاد، والأعراس. يتأهب الرجل للرحيل، ويترك زوجته عند أمه، فتمسك به المرأة: يا ولف بدك تروح، على مين تخليني، لا أمك حنونة، ولا طفل يسليني

كلمات البرق والطيور

يجمع من تلك الأوضاع قامة تدهشنا وتأسرنه. رشيقة، تملك حركتها. تقف الفتاة، يداها إلى الوراء وصدرها إلى الأمام منشور، تنادي: “يا برق سلم عليهم كل ما تلمع، إحنا افترقنا، سبحان الذي يجمع.” ونكاد نفهم السحر الذي يحضر في تلك القامة، نقول ها هو، من حياة يرسل فيها الإنسان كلماته مع البرق والعصافير، ويتحدث فيها مع الشمس والريح، ويعيش بين الشجر والقمح. ينحني رأس الفتاة حتى يصبح في رشاقة فوق الصدر. وتنبت وردة عليها هش، وتتصل بضفيرة الفتاة، أسيرة ذلك الحب. ولا تعرف أنت عند ذاك، هل ما تراه حلم أم حزمة من ضوء كشفت لك ما في القلب. تنتقل نكهة الحياة من اللوحات إلينا. وتتذكر الأغنية والزهر والموال، ورسم الأولاد على الحيطان، والقمر والأمسيات. هل يحاول الفنان أن يثبت الحياة الريفية التي تأسره. لأنه يتشبث بوطن ويؤكد قريته المحتلة؟ ولأنه يعترض على حياة معاصرة استهلاكية، يتذكر أن الفلاحات يعملن من حبات القرنفل عقوداً يبللنها بالماء فتفوح عطراً أصيلاً. ويتذكر أن المرأة تمص حبة القرنفل كي يكون طعم فمها حلواً، ويكون في أنفاسها عبق.  أتذكر ضيعتي عندما ألف الدخان. أضع التبغ أحياناً في الكيس. في ضيعتنا تنسج الفتاة للفتاة ذلك الكيس، وتزخرفه له

كل الدروب إلى فلسطين

يصل إلى فلسطين من الدروب كلها. توصله الذكرى إليها، وتوصله إليها المتعة بالموال والدخان والنعناع والميرمية. لا تضيع هموم الوطن المتعة بالحياة، ولا يضيعها الوطن. يمتزجان في تلك الطقوس. فيشم الأرض والقرية في التبغ الذي أتاه من الضفة الغربية. يتذكر ألوان سمائها، ويتردد في سمعه الموال كما تغنيه بنات الضيعة، ثم كما يغنيه الشباب. وعندما ينخل نشارة الخشب التي يصنع منها أعماله، يتذكر أنه كان ينخل الطحين مع أمه، ذات يوم، وأنه كان يتأملها وهي تعجن العجين، وتحركه بين كفيها، وانه كان ينتظر الرغيف الساخن ويغمسه بالزيت. عندما يشرب الشاي والنعناع، يعود إلى القرية، إلى الحياة كما كانت بالأمس، هادئة وممتعة، بعيدة عن حضارة استهلاكية تنسف براءة الإنسان وتبعده عن الطبيعة. عناصر لوحاته: الفانوس، والحمام، الجرة والمنجل، والضفيرة والكوفية، والمقاتل. عناصر توجد في الحياة. ولكن ماذا يفعل بها! “نناضل في سبيل سلام عادل.” لوحة حية، تفقد الشعار جفافه. امرأة في يدها حمامة: وفي اليد حمامة ثانية تأكل من صحن. رجل على كتفه معول. وامرأة من الجانب الآخر تسقي من الجرة غرسة. والمجموعة كلها على غصن شجرة

القنبلة والزهرة: ببساطة، يحل مسائل صعبة، فيعبر عن وحدة المقاتلين ويظهرهم كأنهم حزمة، أو أنغام في جسم واحد. تتشابك الأجسام في ملحمة فيحمل بعضها بعضاً. تتعانق ويسند أحدهما الآخر. وتشكل هي القلعة الإنسانية. ويعبر عن صلة المقاومة بالحرية، فمع البندقية معول أو فأس أو حمامة. والقنبلة في اليد كالزهرة. وفانوس الفلاح مع المقاتل، كأنه مشعل. تلتصق عناصر الحياة الريفية بالمقاتل، ويضع الفنان في رفقتها البندقية، فتنبت في جسم. ولا تكون زائدة فيه. فكأنها امتداده، ومنه

المرأة قوس من حجر: علاقته بالأرض، علاقة ود. تنحني امرأة فوق قوس من حجر. وتمتزج قوة الحجر بليونة الجسم الإنساني. وتنتقل إلى الحجر حرارته. امتزجت الأرض بالإنسان. وعبر الشكل المحسوس الجميل عن مقاومة الإنسان في البساتين والقلاع. هذا الحب ينمو في أرض اجتماعية. علم فلسطين على عصا، على مذراة. علم دون تزويق. علم فقراء. وخريطة فلسطين علم في الزورق. والبنادق كلها غرسات. وما أجمل الزورق! كأنه من زوارق التاريخ. حلم به طفل. زورق من كوفية بيضاء منقطة بنعومة الأسود. تمتد قدم الفدائي إلى البر. ويحمل التراب الذي يستقبل الخطوة. هذه المقاومة أبدا خالدة. تتجدد طالما كان هناك طفل يولد. أليس ذلك ما تقوله النساء بعد كل مذبحة؟ رجل إلى جانب شجرة الزيتون. وطفل في أرجوحة على الشجرة. والأرجوحة كوفية. وعلم فلسطين حولها. تقف أمام المدى في اللوحة. من يحرس من؟ الرجل يحرس الطفل؟ تسندهما شجرة الزيتون؟ يسندانها. على الأرض فلاحة في ثوب فلسطيني وغطاء أبيض على الرأس، مكشوفة الصدر، مثل الفلاحات عندما يرضعن أولادهن،. والرضيع يحيو ويلمس بندقية معلقة على الحائط. نتذكر أننا دخلنا إلى مشغل الفنان من حارة على جدرانها صور شباب وبنات استشهدوا في غارة أو غزو. رأينا أمام الصور أطفالاً يهجونها. وتجاور أمامنا وجهان في أرض تبحث عن تعبير وتجده جميلاً ومهيباً، مرة في الفن، ومرة في المقاومة. ومن خلال بللور مشغله رأينا صورة فتاة جميلة تطل بملء وجهها وعينيها. استشهدت في غارة على بيروت. هي الشابة الجميلة في لوحاته الريفية، هي التي تحمل الجرة وتسقي الفدائي، وترفده!

إلى أين تشير بوصلة عبد الحي مسلم الفنية؟

محمود علي السعيد

صحيفة تشرين

مثلما تزف القبرات في مواسم الحصاد الفلسطينية الممتدة من القلب إلى القلب فراخها حبات القمح السمينة، ويحدد البدوي الأصيل بدقة خارقة مضارب خيام الأهل والقبيلة ببوصلة الإحساس والتوجه، ويترقرق هودج العشاق المتوج بقرص الشمس الصحراوي في مهرجان الكثبان، تطير ناقة الفنان عبد الحي مسلم في فضاء النقب الفلسطيني العابق بشرانق الغبار، تمجد الماضي الجليل بمشاهده القبلية الآسرة وأنساقه الوظيفية الشائعة عبر إسقاط والتوليف عصري يولي عنصري (الأرض والإنسان) القسط الأرجح في معادلة الصراع والديمقراطية والعدل، لتجسد محصلة التكوين والخلق فكرة الوطن وأسلوب المقاومة.

  • نمط سريالي بعناصر ومفردات وبنى واقعية تدلف مناخ الأسطورة وقناة التاريخ وتخوم القصص والحكايا الشعبية الرائجة.

  • ميال إلى الدمج والاختزال والتحويل لتشكيل ملاحم بيئية شعبية غاية بالروعة والمغناطيسية والسحر.

  • التعويل على الأشكال والتكوينات المبسطة لدرجة السذاجة الطفولية الجميلة مع إيلاء التلقائية الفطرية والمحببة إلى القلب الجانب الأكثر نصاعة وتوجها وعذرية.

  • يلجأ إلى عجينة نشارة الخشب في صياغته التكوينية ومخلوقاته العجائبية الأليفة.

  • الخلط بالتشكل بتكثيف وحشد واكتظاظ بين معطيات الطبيعة الشاخصة وموجوداتها مروراً بالكائنات الحية بأقاليمها الثلاثة الإنسان والحيوان والنبات. تشغله وتشده عناصر الريف الفلسطيني ورموزه وأشياءه الخاصة وموجودات القرية ومستلزمات وحاجات ناسها الطيبين. أوقات الفلاحة والحصاد. الشدة والراحة ومعرض الملبوسات والأناقة والغطرسة، وكرنفال الأعراس بواجهتها الريفية، الرائقة كعين الديك الجبلي الأصيلة كخيول الصحراء العربية.

  • تشخص صياغة أعماله وطروحاته الفنية علاقات القبيلة بجذورها البدوية وتقويمها الممتد عل مدار الوقت من عادات وتقاليد وأعراف.

  • طلاقة الخط ورشاقته واندماجه الموسيقي الحالم يترجمان الابتعاد عن التصميمات المبرمجة والصياغات الآلية الجاهزة التي تجنح إلى المسطرة والتنظير والهندسة شغفاً بتوصيل الرعشات الوجدانية والانشراح الصدري العابق بأرج الكهربة والإضاءة.

  • تبلور معاناته الشرسة – مع سمك القرش العصري ومخزون عقله الباطني وامتلائه الحياتي وعصارة الأيام عبر دورة الكتل الدموية – عمارات وصياغات فنية فيها من التجانس والتوازن والانسجام ما يغري القوافل المسافرة على جناح الريح بالوقوف في أكثر من محطة، واختراق الحواجز المفخخة، وعدم التقيد بساعة ضبط الوقت.

  • شغوفلدرجة الطيران – بعرض مسلسل الذكريات الفلسطينية الزاخرة بالمواقف والأحداث على شاشة القلب بتأليف وتوزيع وإخراج حضاري معاصر.

ملاحم التحدي والمواجهة في معرض النحات عبد الحي مسلم

بحياة واقعاً إنسانيا وواقعاً فنياً

دوافع الانجاز

تشكل تجربته مصادرها الجمالية التعبيرية ودوافعها الإنسانية، التي تشكل مجتمعة رحلة الفنان مع أدواته، كما تشير إلى مدى قدرته على تحويل تلك المصادر والدوافع الذاتية والعامة والمتنوعة إلى عالم جديد، كما يحول النحل الرحيق على مادة جديدة هي العسل، إلا أن نتاج الفنان ليس عملية آلية لأنه يخضع لعوامل متعددة ولمحاكمات عقلانية واعية وانفعالات متنوعة وبالتالي فإن العالم الجديد الذي يعكسه عمله الفني ليس بمعزل عن الناس في واقع معين أو ضمن مرحلة تجدده، بما في ذلك أكثر الصور مستقبلية أو ارتباطاً بالماضي لأن هذه الصور هي نتج علاقة بالحاضر وذلك على اختلاف أشكال العلاقة، وهكذا يكون الإبداع تجربة متكاملة الأبعاد والقيم فالتقنية وحدها لا تصنع فناً، والصنعة لا تقود بالضرورة إلى إبداع، والشكل إن لم يتمخض عن مضمون إنساني يتحول إلى – ديكور ، والمضمون إن لم يكن شكلاَ متطوراً لا يصبح مقنعاً، ولأن من يحيا في الواقع يكون قادراً على الحياة في العمل الفني، فقد كشفت دوافع الانجاز عند عبد الحي مسلم عن ارتباط يومي بالحياة بالأحداث اليومية التي عاشها منذ أيام النكبة إلى زمن الحصار والصمود.

الماضي وتأكيد الذات

لقد تنوعت مصادر الماضي، مصدر تاريخي، مصدر حضري، مصدر فني، في تجربة عبد الحي بتنوع قضايا واقعه المعاصر وكانت التميز في دوافع العودة إلى الماضي كما في الإجابة على أسئلة الحاضر كيف وتعتبر عودة عبد الحي إلى مختلف الأحداث و الجماليات التراثية الفلسطينية عودة مبررة ومشروعة حيال مختلف أشكال السرقة والطمس والتزوير التي يمارسها الكيان الإسرائيلي. فقد كانت المسألة التراثية ومازالت تشكل خطراً على هذا الكيان تماماً كما البندقية. وهكذا تكون عودة عبد الحي إلى الجماليات الفلسطينية القديمة، عودة لتأكيد الهوية الفلسطينية تاريخياً وحضارياً وثمة استمرارية لهذه الجمالية تكمن في الفولكلور الفلسطيني بقنواته المتعددة – الحكايا.

وجداريات من زمن الحصار

خليل صفية

لقد اتسمت تجربة عبد الحي بشيء من التلقائية التي يطالعنا عادة في انجازات الفن الشعبي، وأخذت مداها العفوي الانفعالي التعبيري في هذا المعرض الذي يقدم لنا مختلف الموضوعات المستقاة من أيام الحصار بصيغة فيها من البدائية بقدر ما فيها من القيم المعاصرة، ذلك أن الفنان في معالجته الطويلة المستمرة وحواره الدائم ومشاركته في العديد من المعارض الجماعية قد عمل على الخروج نسبياً من دائرة بداياته التي وجدنا فيها نموذجا من نماذج الفن الشعبي. لكن عبر موضوعات اجتماعية وقومية والأعمال المعروضة لا تعكس فقط ذلك الواقع، بيروت المحاصرة والصامدة، بل تنطلق من تفصيلاته أهدافه وقصصه اليومية، فمعظم الجداريات النحتية ترتكز إلى قصة أو حادثة واقعية. وثمة أعمال تتجاوز هذا الجانب، تتمحور حول الحدث، لتعكس رؤيته المستقبلية للأحداث والتي تتمثل في تقديمه ما هو مأساوي ونضالي في آن واحد، وفي ذلك تكمن محاولاته الجادة أن يقول لنا وبمنتهى البساطة، بأن مسيرة النضال مستمرة. لكن ماذا عن أشكاله، عناصره، رموزه، التي كشفت تلك الرؤية؟ لقد استخدم عبد الحي في تناوله الأحداث اليومية بالتعبير الفني العناصر الواقعية التي عاشها بدقائقها، والجماليات الشعبية الفلسطينية.

جداريات النحات عبد الحي مسلم

صياغة الحياة الفلسطينية بجمالية متميزة

تعتبر تجربة الفنان عبد الحي مسلم واحدة من أبرز التجارب التي تمثل الاتجاهات التراثية في الفن الفلسطيني المعاصر.. تجربة واكبت متغيرات وأحداث الحياة الفلسطينية وصاغتها في جماليات متميزة هي مزيج من عناصر تراثية «أساطير ـ حكايات أمثال شعبية ـ عادات وتقاليد ـ أزياء ـ زخارف ـ الخ» وأخرى معاصرة مستمدة من الأحداث اليومية للحياة الفلسطينية. وحين عرض «عبد الحي» منحوتاته الجدارية «تقنية خاصة» لأول مرة، جرى حول أعماله أكثر من حوار وأثار إعجاب الفنانين والنقاد واعتبر نموذجا لجيل كامل من الفنانين الفلسطينيين المعاصرين.

«يقف عبد الحي مسلم ـ في مقدمة الفنانين التشكيليين العرب الفلسطينيين القادرين على الدفاع عن قضية العرب الأولى بأسلوب خاص له جذوره التاريخية التي يؤكد للعالم عراقة شعبنا العربي وعدم إمكانية تخليصه من أرضه طالما أنه يناضل ويتمسك بجذوره ويعطي من خلالها الفن الذي يجعل العالم يتحسس بوضوح الأصالة الفنية الكامنة وراء هذا الشكل من التعبير.. إنه نموذج لجيل كامل من الفنانين الفلسطينيين المعاصرين».

ولد «عبد الحي مسلم» في «الدوايمة» الخليل عام 1933، ومارس الفن بحسه الشعبي وبعيدا عن الأكاديميات، يقبض على نشارة الخشب ويمزجها بالغراء ويحولها إلى عجينة نحتية، وشيئا فشيئاً، تماماً كما هو النحت بالطين تبدأ أشكاله، عناصره الإنسانية ورموزه الفلسطينية وجمالياته التراثية بالتكون. وقد يصل إلى مرحلة تجف فيها عجينته النحتية الخاصة به والتي ابتكرها وتميز بها، فيلجأ إلى الأزميل ليحذف مالا يرتاح إليه بحسّه الشعبي وليضيف من جديد كتلة أخرى لا تنفصل عن روحية الشكل العام، هكذا ينحت «عبد الحي مسلم» جدارياته، قصائده الشعبية، ملاحمه، ولم لا والمنحوتة الواحدة عنده تزدحم بالموضوعات والعناصر والرموز المختلفة. وهنا نشير إلى مسألة تقنية ترتبط كل الارتباط بحسه الشعبي، إلا وهي مسألة التلوين. فعندما ينتهي من صياغة تكويناته النحتية البارزة وما تحمله من تأثيرات لونية رمادية «ألوان نشارة الخشب» يقوم بتلوينها من جديد بالأوان الزيتية، ويفرض اللون فوق الكتل البارزة أو يقوم بزخرفة بعض المساحات «الخلفية» أو العناصر الإنسانية، ويستخدم الألوان الواضحة المشرقة، المشبعة بالضوء والحرارة وهذه الإضافة اللونية غير المطروحة في النحت المعاصر، ليست إلا دافعا جماليا شعبيا، حيث نراها في جماليات الفنون الشعبية، وهذه المسألة إن دلت على شيء فإنما تدلنا على الجذور الجمالية الشعبية لهذا الفنان المعاصر والأصيل.

يقول «عبد الحي»: «بدأت تجربتي الفنية دون معرفة أو دراسة أكاديمية.. كان الهم الوحيد هو إنجاز أي عمل يعبر عن فلسطين .. وكنت قبل اكتشاف تقنية «نشارة الخشب والغراء» أي العجينة النحتية التي أعالج بها موضوعاتي، أتعامل مع قطع الخشب واستعمل النشارة والغراء لسد الثقوب والوصول إلى سطح أملس.. ثم أقوم بتلوين عناصر الموضوع والألوان المناسبة.. وبعد فترة اكتشفت انه باستطاعتي استعمال هذه العجينة النحتية » «النشارة والغراء» لبناء تكوينات نحتية بارزة على قطعة من الخشب. ومع الممارسة اكتسبت خبرة واكتشفت أن للخشب عدة ألوان فأصبحت ألوان بالمادة نفسها.وخلال سنوات تجربتي لم أصادف واحدا يستعمل هذه المادة، وأخيرا قالوا: «عبد الحي اكتشف تقنية خاصة لا مثيل لها».وعودة إلى دافعا لانجاز عند «عبد الحي مسلم»، تقودنا إلى حقيقة إن ما يحيا في الحياة هو وحده القادر على الحياة في العمل الفني وعلى الاستمرارية ولقد كشفت دوافع الانجاز في تجربته عن ارتباط يومي بالحياة، بالأحداث اليومية التي عاشها منذ أيام النكبة والذكريات في فلسطين إلى الثورة، ثم الحصار والصمود وأخيراً المجازر.. في بيروت وخلال الحصار تفجرت انفعالاته نحتاً بارزاً صاغه تحت القصف وبين الانفجارات والحرائق، وفي دمشق أصبحت ذاكرة نضالية «عاش الحصار وخرج إلى سورية ليقيم في دمشق العروبة. ويقيم في صالاتها عدة معارض فردية» فصاغها ثانية كملاحم بطولية وكإصرار على الاستمرارية في النضال رغم حجم الآلام والمجازر، وهكذا نرى في مصادره الواقعية الحياتية الدوافع الأساسية للانجاز. وبالتالي نرى في انجازاته النحتية سجلاً إبداعيا لمرحلة عاشها. وهذا يعني الارتباط بالأحداث المصيرية عبر موضوعات مستقاة منها، وعبر موضوعات تسجل تفاصيل الأحداث اليومية. وهنا نذكر أعماله «لأجل عيونها الخضراء غنينا ولن نركع ـ مناضلة من فلسطين ـ سلسلة منحوتات بعنوان بيروت الصمود ـ سلسلة منحوتات بعنوان صبرا وشاتيلا ـ قلعة الشقيف ـ ملجأ في صيدا ـ وحدة البنادق المقاتلة ـصورة قلعة الصمود ـ من أجل بقاء الثورة ـ مواكب الشهداء ـ غزة الصامدة ـ جامعة بير زيت ـ كفر قاسم ـ الشهيدة دلال المغربي ـ فلسطين وطني ـ الكرامة ـ طبريا.. الخ» كما أنجز مجموعة منحوتات جدارية مستوحاة من العادات والتقاليد الشعبية الفلسطينية، ومن ذكرياته حول الريف في فلسطين، ومع الاستمرارية في الانجاز أصبح يعمل على تشذيب انفعالاته وعواطفه وجمالياته الشعبية فلم تعد تجربته محكومة بالانفعال وحده أو بالفطرة وحدها، بل أصبحت تجمع بين عمق عفوي مختزن ومحاكمة جمالية معاصرة هي نتاج ثقافة بصرية حديثة تزاوجت مع حسه الجمالي الشعبي، وحول هذه التجربة المتميزة قال أحد النقاد: «نحن نرى ـ عبد الحي مسلم ـ يعيش القضايا المختلفة التي مرت على الشعب العربي الفلسطيني، وهو لا يترك حادثة لا يسجلها، وهو يجمع بين هذه الحوادث. وبين رؤيته الخاصة، ولن نبالغ إذا قلنا بأن هذا الأسلوب الشخصي تمتزج فيه العناصر الشخصية والحكايا القديمة التي تعود للطفولة البعيدة للفنان، ومع قصص بطولات الشعب الفلسطيني وأساطير قديمة أو موغلة في القدم. وعناصر شعبية، وكلها تتآلف في العمل الفني، ويلجأ إلى حلول فنية قديمة يعاد توظيفها لتخدم هدفه، ويمكن القول بأن ـ عبد الحي مسلم ـ يجعل العناصر والأشياء العادية تحمل الرموز والمعاني المختلفة التي تساعدنا على تصور مدى حداثة تعبيره لأن ابسط الأشياء تحمل قيمة لا نهائية ويمكن إن يحملها الفنان القدرة على التعبير عن مختلف القضايا والمعاني، وهذه المعاني ليست تقريرية تسجيلية، بل هي إيحائية لا حدود لما يمكن أن تعطيه لنا من معاني وقيم على المستوى التشكيلي وعلى المستوى التعبيري» وهكذا وجد النقاد في هذه التجربة ما هو متطور وحديث ومعاصر وما هو متميز من حيث التعبير من الحياة الفلسطينية، بكل ما تحمله كلمة «حياة» من معنى، وبذلك مثلت تجربة «عبد الحي» ما هو أصيل في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر.

المصدر: خليل صفية ـ صوت فلسطين العدد 244 أيار 1988

الفنان الفلسطيني عبد الحي مسلّم عرائس ومنحوتات من نشارة الخشب والغراء

عمر شبانة

منذ اثنين وثلاثين عاما تقريبا , لم يتوقف عبد الحي مسلم (أبو يوسف) عن بناء منحوتاته ومشغولاته الباهرة. أحدث ما أنجزه الفنان عبد الحي مسلم, عمل يمثل شهداء انتفاضة الأقصى (ومحمد الدرة في الخلفية), ويشير إلى عمل قيد الإنجاز «هذا عمل آخر لم يكتمل», وجاءت الانتفاضة ففجرت مناطق جديدة من مخيلة الفنان وذاكرته ووعيه واهتمامه, فترك العمل الذي لم يكتمل إلى حين آخر.

في أزقة جبل القصور, تقودنا الأقدام, وتسبقنا الرغبة في التعرف, من جديد, على فنان مؤسس لنمط فني فريد في فن النحت الفطري المميز. نمضي في أزقة تتلوى صعودا وهبوطا , حتى نقف أمام سور حجري لا يبدو خلفه أي بيت. نقرع الجرس, فنسمع صوتا , بلهجة بلدية ريفية, يسأل عن الطارق. يفتح الباب ونعبر أدراجا ضيقة متلوية أيضا , إلى حيث يقبع الفنان, لنقف أمام شخص ينم مظهره عن أصوله القروية, بوجه رسمت ملامح ه آثار الزمن والنكبات والتشرد, وجسد نحيل أذبلته سنوات الكدح والتجريب, سعيا وراء حلم فني ذي صبغة نضالية بارزة, وصوت أجش ذبحته سجائر التبغ العربي (الهيشي) الذي يلفه بأصابع نحيلة تنقلت بين السلاح وأدوات الفن ولف السجائر.

يستقبلنا الفنان الفطري البسيطالمتواضع, فيما يسميه «الكهف» أو «المعبد» حيث لم يعد له, وهو يقارب السبعين من عمره, سوى هذا المكان يقضي فيه وقته, من الفجر حتى وقت متأخر من المساء, مع كائناته ولوحاته التي تحيط به خالقة له متعة لا مثيل لها.. حتى لتنسيه مصادماته مع الأهل, ذوي التربية الدينية المحافظة, بسبب تعلقه بهذه «الأصنام», خصوصا النسائية, التي يصنعها ويقضي معظم وقته معها!

وكأي قروي بسيط, لم يتعلم الفن في أكاديمية أو معهد, فإن الفنان عبد الحي مسل م, المولود عام 1933 في قرية «الدوايمة» (قضاء الخليل), يتحدث بيديه الموشومتين بالأخضر, وبعينيه يتكلم, وبوجهه عموما , أكثر مما يجيد الحديث بلغة الفنانين المثقفين. ولابد لمن سيقابله أن يكون له القدرة على التقاط (شيفرات) لغته, خصوصا تلك اللهجة المحكية بمفرداتها الأليفة والغريبة في آن. من هذه المفردات ما يعبر عن فهمه ووعيه الفطريينمثل فنه الفطريلمسألة الإلهام الفني. وكما كان العرب القدماء يعتقدون بوجود «الجن» الملهم للإبداع, يقول مسلم إنه يبدأ العمل في حالة غير طبيعية, أي بكلماته هو «لما بتيجي قردتي» أو «لما تركبني القردة». بمثل هذا الوعي البسيط, الذي يصعب تحويله كلاما فصيحا , يعمل مسلم دون أن يفكر كثيرا بالنتائج, ولا يعبأ نهائيا بالآراء النقدية المتعالية. غير أنه يظل مشدودا إلى ما تفعله أعماله, وما تجسده من مشروع كفاحي يحتاج الدعم والرعاية. فأعمالهكما يرى الفنان والناقد التشكيلي السوري أسعد عرابيهي مستودع للفلكلور والأمثال والحكم الشعبية وقصصها المصورة.. في مرسمه في دمشق أكثر من 1200 لوحة جدارية يتجاوز بعضها المتر ونصف المتر.. وهي تشكل بداية أرشيفا شعبيا كاملا عن ذكريات القرية الفلسطينية وتقاليد الأزياء والعادات. ولعل الطموح الأكبر للفنان هو تأسيس متحف لحفظ أعماله. فهو رغم فقره, يحزن حين يبيع لوحة له في الصالات الغربية, وكثيرا ما يذكر أسطورة الرسام المعدم الذي كان يرسم بدمه لأنه لا يملك ثمن اللون الأحمر.

من هنا, يشكل الفنان الفلسطيني عبد الحي مسلم, بأدواته البسيطة وأسلوبه الفطري في العمل, مدرسة فنية قائمة بذاتها, ولكنها غير قائمة لذاتها, بل لخدمة قضية وطنية وفنية في آن واحد. مدرسة فريدة في تجسيدها التعبير الفني المرتكز على الأصالة, والمستمد من التراث والفلكلور الشعبي الفلسطيني, بالقدر نفسه الذي تذهب فيه إلى معالجة القضايا وتناول الهموم اليومية للشعب المشرد. هذا التناول وتلك المعالجة الممزوجان بقدرة فريدة على العطاء دون انتظار العون من أحد, والاكتفاء بالاعتماد على الإمكانات الذاتية المتواضعة, وعلى حساب المتطلبات الأساسية للفنان وعائلته.

بدايات

؛من دراما النكبة المتواصلة, من معايشة المأساة المستمرة, من معاناة الحرمان من الاستقرار على أرض, من عصارة آلام التشرد والنزوح ثم النزوح, من تفتت المشاعر لتنشق عبير الأرض الأم, من حنين الذكريات إلى صور الطفولة والطمأنينة والسلام.. تفجرت القوى التعبيرية بالشكل البارز عند عبد الحي مسلم».

(من شهادة للفنان السوري ممدوح قشلان).

أصبح عبد الحي مسلم فنانا بالفطرة, واكتشف أسلوبه وتقنيته بنفسه. كان ذلك في العام 1971/1972, حين كان يقارب الأربعين من عمره, يخدم في سلاح الجو الليبيمعارا من قوات منظمة التحرير الفلسطينية, يعاني فراغا قاتلا , لم ينقذه منه سوى هواية اللعب بالخشب, ومحاولة تشكيل مجسمات منه, تمثل أشكالا بشرية (مقاتل, شهيد, امرأة فلاحة على رأسها جرة..الخ). ولكي يملأ الفراغات بين القطع الخشبية, كان عليه أن يكتشف مادة تسد ذلك, فتذكر أن نجارا , عرفه في طفولته, كان يملأ تلك الفراغات والثقوب بعجينة من نشارة الخشب ممزوجة بالغراء الأبيض, فبدأ يعالج شخصياته بهذه العجينة. وشيئا فشيئا , أخذت العجينة هذه تحتل مكان الخشب, الذي راح يحتل قاعدة التماثيل التي يصنعها مسلم. ثم كانت مشاركته الفنية في معرض طرابلس الدولي, بعدد من الأعمال, حافزا على التعلق بما اعتبره اكتشافا لذاته, وولادة جديدة لحياته.

كم عمرك الآن, يا أبا يوسف? نسأله. فيحدق في ذاكرته المتعبة, ويحسب على طريقته, ثم يفاجئنا: هذي السنة, كم لت اثنتين وثلاثين سنة (ما قبل الفن.. عمر ضائع). تعال شوف.. ويستخرج من ملف صورة تبدو عليها آثار الزمن, فيها تمثال لا تكاد ملامحه تبين. هذا واحد من أعمال البدايات, يقول بفرح ممزوج بنشوة الإنجاز. ثم ينتقل إلى القاعة الصغيرة, حيث نجلس, ويشير إلى آخر عمل أنجزه يمثل شهداء انتفاضة الأقصى (ومحمد الدرة في الخلفية), ويشير إلى عمل قيد الإنجاز. هذا عمل آخر لم يكتمل, وجاءت الانتفاضة ففجرت مناطق جديدة من مخيلة الفنان وذاكرته ووعيه واهتمامه, فترك العمل الذي لم يكتمل إلى حين آخر.

عن مرحلة البداية, يقول «كان الهم الوحيد إنجاز أي عمل يعبر عن فلسطين, مقاتل , شبل, شهيد, أسير, فلاحة تحمل الجرة, شجرة برتقال من فلسطين.. المهم صياغة أي موضوع ينتمي إلى فلسطين. قبل اكتشاف تقنية نشارة الخشب والغراء, العجينة النحتية التي أعالج بها أعمالي, كنت أتعامل مع قطع الخشب, وأستعمل العجينة ذاتها لسد الثقوب والفراغات بين الخشب, للوصول إلى سطح أملس, ثم أقوم بتلوينه بألوان مناسبة.. كنت أصوغ وألون عنصرا واحدا : مقاتل, امرأة بزي شعبي.. كان من الصعب صياغة أكثر من عنصر». وفيما بعد, حين امتلك الخبرة والأدوات والوعي بجوانب عمله, وبأهميته, أخذت تجربته تتطور, كيف? وفي أي اتجاه سار هذا التطور? يجيب «ذات يوم شاهدت غلاف مجلة فلسطينية يحمل صورة لعجوز فلسطينية, مع عبارةنحن لن نغفروتمنيت التمكن من صياغة الوجه فنيا . تناولت الصورة وألصقتها على قطعة من الخشب, وعجنت النشارة مع الغراء, وحاولت تجسيم الوجه على الصورة, فأعجبني العمل, وما زلت أحتفظ به, بعد ذلك اكتشفت أن باستطاعتي استعمال هذه العجينة النحتية لبناء تكوينات نحتية على قطعة خشب مسطح.. وكانت سعادتي كبيرة حين تمكنت من صياغة عدة عناصر».

ملامح وسمات

لم يتعلم في أي معهد أو أكاديمية فنية, كما قلنا من قبل. فهو خريج مدرسة الحياة المحتشدة بالحرمان والفقر والمعاناة. وهو كذلك تلميذ الثورة الفلسطينية, بكل ما حملته في بداياتها من زخم التمرد وحلم التحرير والتغيير, لكنه تلميذها المجتهد الذي تحدى ظروفه, ووقف في وجه كل المصاعب, في وقت انحرف فيه الكثير من المثقفين والفنانين. وفي هذا الصدد يقول عنه الفنان العربي السوري الكبير نذير نبعة «عبد الحي مسلم فنان خرج من قلب الثورة الفلسطينية فجأة, وبجدية في زمن تاهت فيه الثقافة داخل سراديب المقولات والأفكار, وغامت فيه الطرق, وانتشرت الثرثرة في الهواء.. منطلقا مثل إحدى القذائف, نظيفا من كل الشوائب التي علقت بالثقافة والمثقفين, حرا بسيطا واضحا صادقا , لا يكتسب هذه الصفات الهامة بالجهد, بل هي عناصر معدنه, تجدها مصورة فيه كإنسان, ساكنة في كل إنتاجه الفني, الذي يأخذ منك المحبة والإعجاب, خارج الأطر السائدة, والنظريات الجمالية المتداولة, ولكنه يبدع جمالياته الخاصة التي تهبه بدورها هويته الفلسطينية.. فاخلع شوائبك الثقافية يا صديقي, وتعال نتجول بين هذه الأعمال الفنية, نحب ونحلم, ونقاتل معها ضد الظلام».

وفي تجربته الفنية والنضالية محطات ومواقف, فهو واحد من الفنانين الذين عاشوا معركة بيروت وشهد الهمجية الصهيونية العدوانية على شعبنا الفلسطيني واللبناني في بيروت والمخيمات. كان يحمل البندقية دفاعا وصمودا , والإزميل ينقش به ملاحم البطولة. غادر بيروت حاملا في مخيلته ذكريات أليمة.. ذكريات الدمار والغارات والحرب الوحشية الشرسة ضد أهلنا.. ذكريات البطولة في الدفاع عن كل موقع وعن كل طفل وامرأة وشيخ.. شهد هزيمة آلة الحرب الهمجية أمام بطولة أطفال ال (آر بي جي), وخرج من بيروت حاملا معه مجموعة من الأعمال نفذها تحت القصف وبين الأنقاض, ومجموعة أخرى طبعتها يداه من خلال شريط الأحداث الذي اختزنته ذاكرته عن تلك الملاحم والأساطير البطولية.

لقد كافح عبد الحي مسلم طويلا , قبل أن يعثر على شخصيته المتفردة في هذا الفن, رغم عثوره على تقنيته الخاصة المتواضعة التكاليف, والتي يصفها الفنان والناقد أسعد عرابي بأنها «تحتوي على إمكانات الرسم والتلوين والنحت والكتابة معا». فمن نشارة الخشب التي يعجنها بالغراء الأبيض, يأخذ في تشكيل شخوصه وعرائسه على قطعة المازونيت (أو أي قطعة خشب). وتسمح له هذه المادةكما يضيف عرابي «بالتعديل والإزاحة والإضافة.. ويأخذ بالتلوين بألوان مرحة متوهجة مرهفة الحس». وينتسب عمل مسلم الفني إلى ما يسمى عادة «الفن البكر» غير المثقف, ولعله أقرب إلى صيغ التقاليد الشعبية في حالاتها الخام.. خصوصا في مشاهد قصص الحب التي تذكر برسومات قصص ألف ليلة وليلة, وعنتر وعبلة ومجنون ليلى وغيرها من قصص التراث الشعبي.. ويصف عرابي شخوص الفنان في تماثيله بأنها «قريبة في صياغتها من ملامح شخصيات مسرح خيال الظل», ويضيف بأن من سمات هذا الفن, أنه «يهتم بالمعاني المطلقة أكثر من تصيد الخصائص الفردية والشخصانية. أشخاصه يعبرون عن دلالات مطلقة من الحب والقهر والحنين والظلم والفراق وعذاب الوحدة والتشرد, يدعمها بكتابات زجلية في غاية العذوبة والرقة».

ويلفت عرابي نظرنا إلى ما في عمل الفنان مسلم, من التنوع في الموضوع, والغنى في العناصر, حيث نعثر في لوحاته على (الرغيف والزيت والزعتر والشاي والنعناع والكوفية والفانوس والحمام والمنجل الكنعاني, على الزهرة والعش الحزين, على الشبابة والموال, الحصاد والأعراس, قصص الحب المريرة التي يعكر صفاءها النفي والارتحال). والكتابات التي يزين الفنان بعض أعماله بها, تلعب دورا شديد الحساسية, فهي لا تقل انفعالا وحنينا عن الأشكال, خصوصا الكتابات المستمدة من أغاني التراث الشعبي الفلسطيني, كما نجد في حديث الزوجة وهي تقول لزوجها «على مين تخليني? لا أمك حنونة ولا طفل يسل يني» أو «إن مت يا زين/ كفني بورق ريحان».

القضايا والتقنيات

ربما كانت ميزة عبد الحي مسلم الأبرز, إلى السمات المذكورة, أنه ظل بعيدا عن تأثيرات العصر الجمالية والتقنية, فهو حافظ على صورة وأداء الفنان الفطري الذي يتعامل مع الحياة بعفوية وتلقائية. وضمن هذا السياق, توزعت تجربته بشكل عفوي على موضوعات فلكلورية فلسطينية, وأخرى تعبر عن الأحداث المعاصرة مثل أعماله ( مناضلات من شعبي, أّم فقدت أطفالها الثمانية في صبرا وشاتيلا, وصية الشهيد, يافا عروس البحر, الانتفاضة, أطفال الحجارة, سلسلة «ذكريات من طفولتي», عازف الناي, النواطير, ..).

وعلى صعيد التقنية, يرى الناقد التشكيلي السوري خليل صفية, أن أعمال مسلم تجمع بين طريقة التعامل مع الطين ومع الحجر في آن واحد, كمادة جديدة قابلة للحذف والإضافة, حيث ينطلق من عجينة طرية يعالجها كالطين, وحين تجف لتصبح صلبة كالحجر يستخدم الإزميل والمطرقة للحذف والتشذيب. ولم يقف عمل الفنان عند إمكانات المادة أو روحانية النحت البارز والكشف عن خصوصيته, بل قام في بعض الجداريات بتلوين الكتل النحتية البارزة وكأنه يتعامل مع سطح قماش أبيض للوحة تصوير زيتي. ورغم اكتشافه تلوين الجدارية بنشارة خشب متنوع الألوان, وممارسة النحت واستشفاف اللون من طبيعة المادة, ما يزال يلون الكتل النحتية البارزة كالمصور الزيتي.

ومهما اختلف الموضوع في عمل مسلم, فإن العناصر والتشكيلات الفنية لديه تشترك في وحدة الصياغة الجمالية, التي تشكل امتدادا للجماليات التراثية الفلسطينية, وذلك من خلال التأكيد على الرموز والأساطير, واستخدام العناصر الواقعية استخداما رمزيا تارة, وأسطوريا تارة; فالمرأة تأتي كرمز للأرض والعطاء, تارة, وتارة أخرى في صورة المرأة المناضلة والمقاتلة, كما يمكن أن تكون رمزا لفلسطين وللقضية. والفنان معني في أعماله ببناء علاقات أسطورية غير مألوفة, فيها الكثير من الغرابة والخيال.. تقود إلى مضامين واقعية لا تخرج عن نطاق معالجته النحتية الفطرية الأصيلة. وهنا تتداخل العناصر التعبيرية بالزخرفية والأشكال الواقعية بالأسطورية بكل بساطة وعفوية. وفي بعض الأعمال يصل الفنان في تكويناته إلى البناء الملحمي. كل ذلك من أجل التعبير عن هاجسه الأساسي ومحرضه على التعبير وهو فلسطين. ولأنه يعتقد بأن التعبير بالنحت وحده لا يفي أحيانا بالغرض, فهو يقوم بتلوين الكتل النحتية البارزة وعناصر عمله ورموزه بألوان واضحة وصريحة لا تحمل فقط القيمة التعبيرية, بل تلعب أيضا دورا رمزيا , لتؤكد أصالة تجربة الفنان الفطري الذي يمثل امتدادا طبيعيا لجماليات شعبه عبر التاريخ. لهذا, لم تقف تجربته عند حدود تسجيل مظاهر الفلكلور الشعبي والعادات والتقاليد والذكريات الجميلة التي عاشها في فلسطين قبل النكبة, بل عمل على مواكبة القضية الفلسطينية والتعبير البدائي عنها بمختلف موضوعاتها وأحداثها: النكبة, الثورة, الشهداء, والمجازر.

مسيرة وإنجازات

خلال مسيرة الثلاثين عاما, في مراحلها المختلفة, أقام مسلم مجموعة من المعارض, في الوطن العربي وفي أنحاء من العالم الغربي. فمن بيروت إلى عمّان ودمشق وعواصم عربية أخرى, حتى عواصم أوروبا, شهدت المعارض العربية والدولية حضورا متميزا لأعماله. لكن أوسع شهرة له عرفتها معارضه في أوروبا, وتحديدا حين عرض في «فورم سبيسا» في برن (ألمانيا), بعد معرضه في قاعة روتغابرك في زيوريخ, بعد تحقيق شهرة كبيرة في أوروبا الشمالية (السويد, النرويج, فنلندا, والدنمارك/ 16 معرضا ), بل وصل نشاطه إلى الفليبين وكندا, وساهم مع 33 فنانا يابانيا في معرض «تحية لصبرا وشاتيلا» في طوكيو.

ويلحظ أسعد عرابي, على هامش معرض مسلم في «فورم سبيسا» (برن), كيف يحافظ الفنان على سكينته وهدوئه في صخب أوروبا, ويتحرك ضمن إيقاعه: وجه رسمته ستة عقود منهكة تعكس أقسى معاني التشرد الفلسطيني «أعطاه العالم كيسا من الطحين, وبحرا من الحزن وتذكرة صالحة لسفرة واحدة فقط». فحساسيته التشكيلية تتفوق على هاجسه النضالي, كما أن حدسه الإبداعي يوازي خطابه السياسي ومضامينه الملتزمة.

ويتمثل جانب من إبداع عبد الحي, في تكويناته التي تحمل العناصر التعبيرية المعاصرة بتشكيل جديد لكل عمل, وبشاعرية شاملة تربط بين جميع الأعمال المنجزة بهذا الأسلوب والمعبرة عن واقع الحياة الشعبية الفلسطينية. فتجربة الفنان المستقاة من طفولته في قرية الدوايمة, محتشدة بالعادات والتقاليد التي يتوارثها الأبناء والأحفاد. وقد جسدها بكل إخلاص وأمانة, وبصورة يرسخ عبرها تأكيده على الجماليات الشعبية الفلسطينية, واستلهام جوهر التراث وروح العصر.

كما تشدنا في عملهبحسبما يرى الفنان والناقد التشكيلي الفلسطيني غازي انعيمهذه الحركات التعبيرية التي تسيطر على أغلب أعماله: مراسيم العرس (خشة الدار, رقصة الصبايا, الدبكة, الشاعر, حنة العروس, زفة العروس على الجمل). ففي عمله يلتقي الجمال والدقة والمهارة, مع إحساس مفعم بالإيقاع, إيقاع الرقص الذي يعيد تكوين الجسد الإنساني, ليشيع الإحساس بالفرح وبالحركة, وبالإيقاع الجماعي حيث الغناء والترديد ما بين مجموعتين, وكل مجموعة محتشدة بالعناصر الإنسانية والنباتية والزخرفية والعمارة. وتأثر الفنان بالبيئة البحرية, فقدم أعمالا تعبر عن المدن الساحلية (يافا عروس البحر, ميناء عسقلان). وأعمالا تمثل الحياة والمواسم الشعبية (عيد الشيجور, معاتبة ابن العم لعدم زواجه من ابنة عمه, معاتبة الحبيبة, حديث فنجان القهوة, الترحيب بالضيف, الغزل في الوجنات, المكحلة, مناجاة..), وأعمالا أخرى تجسد القضايا الوطنية, كما في (أخي جاوز الظالمون المدى, السجين, الانتفاضة, أغنية الوطن في الانتفاضة, الانتفاضة والتحدي).

على مستوى آخر, يشير الناقد التشكيلي السوري د. محمود شاهين, إلى ظاهرة التلوين في أعمال مسلم الفنية, فبعضها ملونة ومزينة بالتطريز والزخرفة, وبعضها بألوان الخلطة نفسها, ألوان توحي بالبرونز والمعدن عموما. وهناك الأعمال الخاصة بحركات التحرر التقدمية في العالم, وتمثل شعارات لهذه الحركات, وملصقات بلغات عالمية.. وذلك كله ضمن التزام صادق بقضيته العادلة. ولعل أهم ما ينفرد به الفنان هو ذاكرته الخصبة, وقدرته المتفوقة على تسجيل علاقة الناس ببعضهم وبالأرض والبيئة والتراث الشعبي القادم من رحم الحياة الشعبية.

وهاهو الإنتاج يتكدس يوما بعد يوم, في مشغله الضيق البسيط والمتواضع. ورغم الظروف المادية الصعبة, أدمن الفنان ممارسة الفن, يمارسه بشكل يومي مكثف. الفن عنده تحول إلى نوع من الارتباط العميق بالحياة. وتحولت التقنية إلى جزء من الموضوع. يداه تعرفان الطريق إلى موضوعاته عبر هذه المادة. وفي مرحلة أخرى, أدخل الجبس مادة تعبيرية أخرى, أتقنها وتمكن منها. وهو اليوم يمارس عشقه السري العجيب للفن عبر المادتين, برغبة طفل نهم لا يشبع ولا يرتوي. إنه شخصية فنية متفردة قائمة على العفوية الصادقة والمحبة العميقة لوطنه وشعبه وأمته وتراثه العريق المتمثل في جملة من المعطيات والأشكال والرموز الشعبية الحية والفنية. ليس من السهل التعرف على حقيقة المادة المستعملة في لوحته النافرة, خاصة بعد إضافة اللون باستخدامات مختلفة.

أخيرا , فإن شهرة الفنان في أوروبا قد خلقت له علاقات وثيقة مع عدد كبير من الفنانين والمهتمين, أكثر مما في العالم العربي. وقد كتبت لهوعنهالفنانة الروسية تايكو فاتش, في تقديم واحد من معارضه: بلغ بي التأثر بأعمال مسلّم, حدا أعتقد معه أن العالم سينصف هذا الفنان, في الوقت المناسب.. قد يكون بعد مائة عام أو مائتين, أو أكثر, لكن المتاحف التي ستعرض له لن تنساه أبدا , وأعتقد لو أن معرضه يتجول في دول العالم فسيكسب زيادة في اهتمام العالم بالقضية الفلسطينية.

مراجع:

1. مجموعة من البروشورات لعدد من المعارض الفردية والجماعية للفنان.
2.
أسعد عرابي: جريدة «الحياة», لندن, 21 كانون ثان/ يناير 1992.
3.
خليل صفية: جريدة «الثورة» , دمشق, 1 آذار 1989.
4.
غازي انعيم: مجلة «إلى الأمام, العدد 2068 , 7 كانون أول 1990

عبد الحي مسلم: وفاء مني للراحل مصطفى الحلاج شكلت جدارية تصوره عائدا إلى فلسطين
تميز بتكنيكه الخاص الذي يشكل فيه بمزيج من نشارة الخشب

وسام نصر الله، الديار – عمان

كان حلمه أن يكون مقاتلا في صفوف الثورة الفلسطينية لكن الظروف شاءت أن يكون فنفنا يقاتل من خلال لوحته أصبح فنانا بالفطرة، ولم يتلق الفن في معاهده. الفنان عبد الحي مسلم ولد في قرية الدوايمة الخليل عام 1933 تميز بتكنيكية الخاص الذي يشكل فيه بمزيج من نشارة الخشب و الغراء، يطوعه لأشكال ثلاثية الأبعاد لمعالم القرى و الحياة اليومية و التجمعات العائلية، و ملابس الناس التقليدية يلون هذا الفنان الأشكال بغنى مستندا إلى التراث الفلسطيني.

قال عنة الفنان التشكيلي الراحل مصطفى الحلاج يغني بصوت جهوري فيستدرج الأشباح المعتمة التي تهمهم بصوت خافت فيقبض عليها باناملة فتصرخ و يثبتها جسما من معجون (نشارة الخشب و الغراء) على سطح الخشب إلى الأبد.

أقام مسلم أكثر من 35 معرضا فرديا عربيا و عالميا منها معرض في مدينة طوكيو في أعقاب مذبحة صبرا و شاتيلا مع 33 فنانا يابانيا تتحدث عن موضوع المذبحة التي حدثت في لبنان في العام 1982.

التقينا الفنان عبد الحي مسلم في مرسمه و بين لوحاته و جدارياته و كان لنا معه الحوار التالي:

بداية لنتحدث عن كيفية دخولك إلي عالم الفن؟

بداية أنا مسكون بالهاجس الهم الفلسطيني و منذ الصغر كان حلمي أن أكون مقاتلا في صفوف الثورة الفلسطينية لكن الظروف شاءت أن لا يتحقق هذا الحلم, فكانت ردة الفعل عندي عنيفة اتجاه ذلك لذلك بدأت البحث عن و وسيله اقدم فيها قضيته و كان توجهي إلي عالم الفن و أنا في سن الأربعين مع العلم انه لم يكن لي قبلها أي اختلاط في الوسط الفني أو حتى على مستوى حضور المعارض و الذي ساعدني أيضا على التوجه إلى هذا النوع من الفنون قدرتي منذ الصغر على تشكيل الخشب و اللعب به. و أريد أن اذكر شيئا مهما هنا أنني منذ بدايتي الفنية 1970 أغلقت على نفسي ما يقارب العشر سنوات بعدم اختلاطي بأي من الفنانين و ربما هذا أفادني كثيرا بأن شكلت أسلوبي الخاص.

ما هي المكونات التي تستخدمها في تشكيل لوحاتك؟

أن المواد التي تدخل في تشكيل لوحاتي هي عبارة عن نشارة الخشب الناعمة المعجونة بالغراء الأبيض لتصبح مثل الطين الذي يتشكل منه الفخار فاعمل على تشكيل هذه المادة التي اصنعها لابدأ بتكوينها على شكل لوحة ولكن أثناء هذه العملية لا أقوم بالرسم أبدا قبل تشكيل اللوحة لاني لا اعرف الرسم و إنما ابدأ مباشرة بتكوين الفكرة التي في رأسي على قطعة الخشب مستفيدا من تجربتي الطويلة و قدرتي في السيطرة على هذه المادة و معرفة جوانبها السلبية و الإيجابية.

لماذا نلاحظ أن معظم لوحاتك تستند من خلالها على الفلكلور و التراث الفلسطيني؟

هناك عدة أسباب دفعتني لهذا الاتجاه منها أنني أشعر كلما تقدمت بالسن أعود إلى طفولتي و احن إلى قريتي التي ولدت بها و ذكرياتي المتعلقة بالبيئة الفلسطينية و التراث و الفلكلور أما السبب الأخر فه القرصنة و السرقة التي يمارسها العدو الإسرائيلي تجاه تراثنا و فلكلورنا بسرقة هذا التراث و الادعاء بأنة ملك لحضارته و تاريخه فنلاحظ بيع إسرائيل للزي الشعبي الفلسطيني في أوروبا على أنة زيها لذلك توجهت لتوثيق الفلكلور الفلسطيني عبر لوحاتي لدحض أكاذيب الإسرائيليين و أريد أن أذكر هنا أن معظم لوحاتي التي أشكلها مستوحاة من الأغنية الشعبية الفلسطينية التي كان ينشدها الناس في منا سباتهم المختلفة لذلك تشكل لدي مخزون هائل من الفلكلور و التراث الفلسطيني.

لك تجربة مهمة في بيروت عام 1982م أثناء القصف الإسرائيلي للمدينة حدثنا عنها؟

في عام 1982م أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان و حصار بيروت و في محاولة للإثبات أمام العالم أن الإنسان العربي قادر على الصمود و الإبداع حتى في أصعب الظروف و اللحظات كنت اجلس على الأرصفة أثناء القصف و أبدا في تشكيل اللوحات التي تتحدث عما يجري في بيروت جراء القصف من صمود أسطوري و ملحمي فأنجزت ما يقارب 13 عملا و في أحد الأيام التي تواصل فيها القصف لمدة 10 ساعات خرجنا بعدها إلى الشوارع وجدت دمية ملقاة في إحدى الطرقات و ممزقة فتبادر إلى ذهني لحظتها الطفل صاحب الدمية و ما الذي حل به و ما هو مصيره فكانت هذه الدمية موضوعا لإحدى لوحاتي المنجزة وقتها و حملت عنوان (حتى لعب الأطفال لم تنجى من هذا القصف) هذه اللوحة التي شاركت مع 33 فنان يابانيا في معرض أقيم في مدينة طوكيو اليابانية عن مجزرة صبرا و شاتيلا بعد خروجنا من بيروت عام 1982 و لا تزال هذه اللعبة التي كانت محور العمل مع أحد الأصدقاء الفنانين اليابانيين.

و ماذا عن علاقتك بالتشكيلي الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج؟

صحيح أن علاقاتي مع كثير من الفنانين العرب جيدة لكن العلاقة الأميز كانت مع الراحل مصطفى حلاج الذي تعرفت إلية في حدود العام 1979 عندما دعيت من ليبيا لحضور تأسيس اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين حيث بدأت العلاقة منذ ذلك التاريخ عندما عدت من ليبيا إلى سوريا في عام 1980 إستمر التواصل مع الحلاج بشكل قوي وأسسنا معا قاعة ناجي العلي للفنون التشكيلية في دمشق و ذلك بعد الخروج من بيروت عام 1982 و باعتقادي أن الحلاج هو الوحيد الذي أطل على داخلي و فهمني من حيث تقنيتي في العمل و ما الذي أقصده، لذلك موت الحلاج سبب خسارة كبيرة للقظية العربية كما أن الطريقة التي مات بها الحلاج بإحتراقة داخل مرسمه و هو يحاول إنقاذ لوحاته تدل على مدى تمسك هذا الإنسان بفنه و عملة الذي أفنى سنوات طويلة من عمرة في إنجازها.

في تجوالنا داخل مرسمك شاهدنا جداريه تصور فيها الحلاج ماذا قصدت بهذه اللوحة؟

في الحقيقة وفاء مني للراحل الحلاج و تكريما له وجدت انه لازما علي أن أقدم لذكراه فكانت تلك الجدارية عنة و هو راجع إلى فلسطين و هيئته كشيخ كنعان يواجه العدو الإسرائيلي الدموي و إلى جانبه حصان ممدد عليه والده الذي كان يحلم دائما بالعودة إلى فلسطين بعد أن هاجر إلى مصر.

ماذا قدمت من لوحات تعبر عن الانتفاضة الفلسطينية الراهنة؟

  • لقد قدمت عشرات اللوحات التي تحكي عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) و الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) و لكن الملاحظ أن كثرة المجازر الإسرائيلية المرتكبة بحق أبناء شعبنا داخل الأرض المحتلة بشكل يومي مما ولد لدي شعورا بأنة يجب أن أقدم لوحة أبين فيها الشهداء بشكل جماعي فكانت جداريه عرس الشهداء التي استغرق العمل بها حوالي 6 أشهر كذلك قدمت جداريه كبيرة عن مجزرة مخيم جنين و شاركت في عدد من المعارض كان من بينها واحد في إيران فيه ثلاث جداريات عن الانتفاضة الفلسطينية و أيضا من الأعمال التي أنجزتها مؤخرا كانت جداريه عن الأمريكية راشيل كوري التي قتلتها القوات الإسرائيلية في غزة و كان الدافع لهذه الجدارية إظهار مدى الوحشية الإسرائيلية ضد جميع الأجناس و تكريما لهذه الفتاة التي رفضت الظلم و أنا الآن أحاول البحث عن طريقة لإيصال هذه الجدارية لأهلها تكريما لهم.

ما هي المجالات التي ترتكز عليها حاليا في أعمالك؟

هناك ثلاثة مجالات أركز من خلالها على لوحاتي و هي أولا لوحات تتعلق برصد عمليات المقاومة الفلسطينية و إظهار المجازر الإسرائيلية المتكررة بحق شعبنا بدءا من كفر قاسم و دير ياسين مرورا بصبرا و شاتيلا ووصولا إلى المجازر اليومية التي ترتكب حاليا، المجال الثاني هو التركيز على الفلكلور و التراث الفلسطيني و جمالياتة منه أغان شعبية و إظهار للمناسبات المختلفة، أما المجال الثالث فهو الفن الكلاسيكي العادي بعيدا عن التراث و الفلكلور الفلسطيني.

و ماذا عن الحلم الذي يراودك حاليا؟

أولا حلم العودة إلى أرض الوطن و قريتي التي ولدت فيها و تربيت بها و ثانيا محاولة جمع كل لوحاتي التي تتجاوز ال600 لوحة ووضعها في مكان أمين و هذا بحاجة لجهد مؤسسي أو جهة ما تتبنى ذلك فأنا تجاوزت السبعين من عمري و خوفي ليس من الموت بقدر خوفي من هذه اللوحات التي أعتبرها ملكا للشعب العربي و الفلسطيني لأن فبها توثيقا لتراثنا و فلكلورنا للأجيال القادمة.

التشكيل الفلسطيني المعاصر

الجزء الأول

المرحوم محمد خير محضية

13/10/97

عبد الحي مسلم

الضوء الأبدي

يقول بيكاسو :” إن الإنسان لا يستطيع العمل ضد الطبيعة……إنها قوية جداإنها الأقوىو يجب الاستفادة من ذلك و ندرك جيدا هذا، بأن نبقى على وفاق معها….”.

فالذي أراده بيكاسو هو توضيح لغة المطلق في الطبيعة التي هي الكون كلة و مركزة….و الذي أحب أبيأ نة من هذا حالة التواصل مع عالمنا الذاتي، و عدم ممارستنا و عيشنا للحياة الطبيعية في الوطن، سيبقى ركاما إن لم نسع لتحقيق ذلا بإرادة طبيعية و من ضمنها النضالثم النضال

الفنان عبد الحي مسام وعى متأخرا بأن لديه موهبة الفنان، أعتقد أنم استيقظ فجأة من كابوس كان يعيشه، و هذا الكابوس الحلم مرتبط في خسارته لممارسة وملامسة تلك الحياة التي انتزعت منه بقسوةفقبل ذلك كان يلازم الأشياء و يحتك بها ناسيا حالة التأثر بها بشكل مطلقولكن عندما اقتلع عبد الحي من الوطن و الأرض والأشياء أدرك هذه الناحية متأخرا، في خسارته الكبيرة…. ووجد أنة بعيد عنها، و مغلوب على أمره…..

آنذاك فتحت له الثورة الفلسطينية ثغره ليمر من خلالها، إلى تلك الأشياءو هذا مرتبط بفعل يستوجب التضحية و الإصرارلكنها ثغره فيها بصيص من الأملوعند ذلك بدأ عبد الحي مسلم يقلب حلمة في كل الأوجهووجد أن الثغرة تتسع عند إمكانية الجديدة وهي ممارسة الرسم و النحت.ز و راح ينقل أشياءه من عادات و تقاليد على صفحات بيضاء يراها بخيال حالم يريد إعطاء تلك الأشياء شعورا ينسجم بصدق الرؤية و سذاجة التكوينو مع ذلك حمل الفنان لغة ذلك الزمن و بصيرة تلك المرحلة حيث الأشياء تتلاشى في زماننا هذا، تبدلت أو تغيرت كليافالذي ينقلة الفنان له أهمية و دلالاته، فهو يرفع بعينيه أمانة لها قدسيتها و لها حدودها.. فالذي قاله بيكاسو أن الإنسان لا يمكن أن يكون ضد الطبيعة، بمعنى أن يكون بمستوى الأشياء التي يثمرها زمنهاهكذا بدأ مسلم يعمل و ينتج فنه، بدأ مغامرا و هو يعود إلى ما أنتجه الفترة التي عاشها في فلسطين…. و مستوحيا النموذج الحي لتلك الأياموفي عمله هذا عكس الحس الذي يعيش بداخله، و الحلم الذي يحياه بألم

الفن عند مسلمهم كيف يعرف عنة كما هو ؟؟

فالبيئة المحلية هي التي تنتج شكل و روح هذا الفن، و ما دام عبد الحي يعيش ذكرياته و أحلام طفولته الغارقة في رحيق الماضيفإن فنه سيكون ضمن هذه الرؤية المفتوحة

و مع كل هذا فهو أيضا يتابع حركه و تطور الثورة و يواكبهاو لا تمر مناسبة من معركة مع العدو أو عدوان منهإلا كان عبد الحي قابضا أدواته يرسم أشكاله كي يثبتها بأسلوبه في عمليه النحت، و يبقى العمل عنده هو الشاهد و المسجل الهام لهذا التاريخ الفلسطيني

فإذا فتحت أرشيف عبد الحي لا بد و أن تجد الكثير من الأحداث و النكبات و المجازر الفلسطينية.ز و قد سجلها الفنان في عمل جدير بالأهمية و الاحترامالفنان مسلم يعيش بحبه لأرضه و لشعبه، و هو يصر كي تكون أعماله ملأا بتشكيلات تنتمي إلى تلك الأرض، و ذلك الشعب و ثورتهو هو على الدوام تجده في حالة العطاء، يسير نحوها بقوه. ولو حال أي منا تحليل أعماله بدقة و محبة.

فنان فلسطيني يدافع بأعماله عن الهوية الفلسطينية

عمّان ـ رويترز:قال الفنان التشكيلي عبد الحي مسلم انه يحاول في أعماله صون التراث الفلسطيني في مواجهة المحاولات الإسرائيلية لسلب هذا المخزون التراثي وفي معرضه الذي افتتح أمس الأحد في العاصمة الأردنية عمّان في جاليري زارة يعبر مسلم عن الذاكرة الشعبية الفلسطينية بأبسط التقنيات حيث يمزج نشارة الخشب مع الغراء الأبيض ليكون عجينة صالحة للنحت البارز على اللوحات لتأتي بعد ذلك مرحلة التلوين والزخرفة.

وقال مسلم لرويترز إسرائيل سلبت أرضنا وهي تحاول سلب موروث تراثي تدعي انه تراث إسرائيلي ودورنا كفنانين أن نحمي هذا الموروث فأنا في لوحاتي أحاول أن أوثق هذا التراث فاللوحات وثيقة مصورة للتراث ويقدم مسلم في منحوتاته سردا بصريا لما تحتويه ذاكرته عن الحياة الشعبية البسيطة للفلسطينيين فسجل في أعماله الأشجار والحيوانات والزخارف الشعبية والمرأة الفلسطينية بثوبها المطرز.

ويحاول مسلم في منحوتاته تصوير تلك الحياة الشعبية والمشاهد الاحتفالية التراثية القديمة كمشهد العرس الفلسطيني ومشهد الختان والحناء لذلك جاءت أعماله مليئة بالمجاميع البشرية وقال مسلم أنا عشت خمسة عشر عاما في قرية الدوايمة في فلسطين قبل أن نرحل عام 1948 لذلك أنا امتلك مخزونا بصريا وسمعيا عن حياتنا القديمة وأحاول أن انقل هذا المخزون للأجيال القادمة حتى يبقى مصانا من أي محاولة لتغيير هويته.

وحول دور الفنان العربي في ظل الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي قال مسلم أنا لا اكتفي فقط بالأعمال التي تصور التراث وإنما أحاول أيضا في الكثير من الأعمال التي أنجزتها تصوير نضالات الشعب الفلسطيني فقد انتهيت منذ فترة من لوحة عرس الشهداء.

ومسلم عضو رابطة التشكيليين الأردنيين ونقابة الفنون الجميلة السورية واتحاد الفنانين الفلسطينيين وولد في قرية الدوايمة قرب الخليل عام 1933 ولم يدرس الفن في معاهد وإنما أصبح فنانا بالفطرة يتميز بتقنية خاصة باستخدام خلطة نشارة الخشب والغراء في صنع لوحاته وقد أقام وشارك في أكثر من عشرين معرضا في مختلف أنحاء العالم من أبرزها مشاركته لثلاثة وثلاثين فنانا يابانيا في معرض بمدينة طوكيو حول مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982.

وقال الفنان التشكيلي الراحل مصطفى الحلاج الذي توفي في 15 ديسمبر الماضي في دمشق عن مسلم يغني بصوت جهوري فيستدرج الأشباح المعتمة التي تهمهم بصوت خافت فيقبض عليها بأنامله فتصرخ ويثبتها جسما من معجون نشارة الخشب والغراء على سطح الخشب إلى الأبد.

http://www.alwatan.com/graphics/2003/01jan/28.1/heads/ct7.htm

http://www.albayan.co.ae/albayan/2003/01/28/mnw/21.htm

التشكيلي عبدالحي مسلم:

لوحاتي أصبحت تعود لفلسطين لأنني بدأت أعود لطفولتي


عمان : شيما برس


كان حلمه أن يكون مقاتلاً في صفوف الثورة الفلسطينية لكن الظروف شاءت أن يكون فنانا يقاتل من خلال لوحته، أصبح فنانا بالفطرة ولم يتلق الفن في معاهده.


الفنان عبد الحي مسلم ولد في قرية الدوايمة، الخليل عام 1933، تميز بتك***ه الخاص الذي يشكله بمزيج من نشارة الخشب والغراء، يطوعها لأشكال ثلاثية الأبعاد لمعالم القرى والحياة اليومية، والتجمعات العائلية، وملابس الناس التقليدية، يلون الفنان هذه الأشكال مستنداً إلى التراث الشعبي الفلسطيني.قال عنه الفنان التشكيلي الراحل مصطفى الحلاج :”يُغني بصوت جهوري فيستدرج الأشباح المعتمة التي تهمهم بصوت خافت، فيقبض عليها بأناماله فتصرخ، ويثبتها جسماً من معجون (نشارة الخشب والغراء) على سطح الخشب إلى الأبد.


أقام مسلم أكثر من 35معرضاً عربياً وعالمياً، منها معرض اقامه في مدينة طوكيو في أعقاب مذبحة صابرا وشاتيلا مع ثلاثة وثلاثين فناناً يابانياً تناول فيه المذبحة التي حدثت في لبنان في العام 1982.التقينا الفنان عبد الحي مسلم في مرسمه وبين لوحاته وجدارياته، وكان لنا معه الحوار التالي:

@ بدايةً لنتحدث عن كيفية دخولك إلى عالم الفن؟


أنا مسكون بالهاجس والهم الفلسطيني، ومنذ الصغر كان حلمي أن أكون مقاتلاً في صفوف الثورة الفلسطينية لكن الظروف شاءت أن لا يتحقق هذا الحلم فكانت ردة الفعل عندي عنيفة تجاه ذلك، لذلك بدأت البحث عن وسيلة أقدم فيها قضيتي، فكان توجهي إلى عالم الفن وأنا في سن الأربعين علما أنه لم يكن لي قبلها أي اختلاط بعالم الفن أو حتى حضور المعارض وما ساعدني على التوجه إلى هذا النوع من الفنون، قدرتي منذ الصغر على تشكيل الخشب واللعب به، وأريد أن أذكر شيئاً مهماً هنا أنني منذ بدايتي الفنية في عام 1970أغلقت على نفسي ما يقارب العشر سنوات ولم أختلط بأي من الفنانين وربما هذا أفادني كثيراً في تشكيل أسلوبي الخاص.


@
ما هي المكونات التي تستخدمها في تشكيل لوحاتك؟


المواد التي تدخل في تشكيل لوحاتي عبارة عن نشارة الخشب الناعمة معجونة بالغراء الأبيض لتصبح مثل الطين الذي يتشكل منه الفخار، وأعمل على تشكيل هذه المادة التي أصنعها لأبدأ بتكوينها على شكل لوحة، ولكن أثناء هذه العملية لا أقوم بالرسم أبدأ قبل تشكيل اللوحة لأنني لا أعرف الرسم وإنما أبدأ مباشرةً بتكوين الفكرة التي في رأسي على قطعة الخشب مستفيداً من تجربتي الطويلة وقدرتي في السيطرة على هذه المادة ومعرفة جوانبها السلبية والإيجابية.


@
لماذا نلاحظ أن معظم لوحاتك تستند لها على الفلكلور والتراث الفلسطيني؟


هناك عدة أسباب دفعتني في ها الاتجاه منها أنني أشعر كلما تقدمت بالسن بأنني أعود إلى طفولتي وأحن إلى قريتي التي ولدت بها وذكرياتي المتعلقة بالبيئة الفلسطينية والتراث والفلكلور، أما السبب الآخر فهو القرصنة والسرقة التي يمارسها العدو الإسرائيلي تجاه تراثنا وفلكلورنا والإدعاء بأنه ملك لحضارته وتاريخه فنلاحظ بيع إسرائيل للزي الشعبي الفلسطيني في أوروبا على أنه زيها، لذلك توجهت لتوثيق الفلكلور الفلسطيني عبر لوحاتي لدحض أكاذيب الإسرائيليين.


وأريد أن أذكر هنا أيضاً أن معظم لوحاتي التي أشكلها مستوحاة من الأغنيات الشعبية الفلسطينية التي كان ينشدها الناس في مناسباتهم المختلفة :الأعراس، قطف الزيتون، الطهور.. الخ.


كما أنني منذ الصغر نشأت في أسرة تطرز الأثواب الفلسطينية وكنت أذهب مع والدتي إلى المناسبات المختلفة لذلك فقد تشكل لدي مخزون هائل من الفلكلور والتراث الفلسطيني.


@
لك تجربة مهمة في بيروت عام 1982أثناء القصف الإسرائيلي للمدينة، حدثنا عنها؟


في عام 1982أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت، وفي محاولة للاثبات أمام العالم أن الإنسان العربي قادر على الصمود والإبداع في أصعب اللحظات كنت أجلس على الأرصفة أثناء القصف وأبدأ بتشكيل اللوحات التي تتحدث عما يجري في بيروت جراء القصف من صمود أسطوري وملحمي فأنجزت ما يقارب الثلاثة عشر عملاً، وفي إحدى الأيام التي تواصل فيها القصف لمدة 10ساعات خرجنا بعدها إلى الشوارع وجدت دمية ملقاة في إحدى الطرقات وممزقة فتبادر إلى ذهني لحظتها الطفل صاحب هذه الدمية وما الذي حل به وما هو مصيره، فكانت هذه الدمية موضوعاً لإحدى لوحاتي المنجزة وقتها وحملت عنوان (حتى لعب الأطفال لم تنج من هذا القصف)، وهذه اللوحة التي شاركت بها في معرض مع 33فناناً يابانياً أقيم في مدينة طوكيو عن مجزرة صبرا شاتيلا بعد خروجنا من بيروت عام 1982، لا تزال مع أحد الأصدقاء الفنانين اليابانيين.

 

@ وماذا عن علاقتك بالتشكيلي الفلسطيني الراحل مصطفى الحلاج؟


صحيح أن علاقاتي مع كثير من الفنانين العرب جيدة لكن العلاقة الأميز كانت مع الراحل مصطفى الحلاج الذي تعرفت عليه في عام 1979عندما دعيت من ليبيا لحضور تأسيس اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين،استمر التواصل مع الحلاج بشكل قوي وأسسنا معاً قاعة ناجي العلي للفنون التشكيلية في دمشق بعد الخروج من بيروت عام 1982، وفي اعتقادي أن الحلاج هو الوحيد الذي أطل على داخلي وفهمني من حيث تقنيتي في العمل وما الذي أقصده، لذلك شكّل موت الحلاج خسارةً كبيرة، كما أن الطريقة التي مات بها الحلاج باحتراقه داخل مرسمه وهو يحاول إنقاذ لوحاته تدل على مدى تمسك هذا الإنسان بفنه وعمله الذي أفنى سنوات طويلة من عمره في إنجازها.


@
في تجوالنا داخل مرسمك شاهدنا جدارية تصور فيها الحلاج، ماذا قصدت بهذه اللوحة؟


في الحقيقة وفاء مني للراحل مصطفى الحلاج وتكريماً له وجدت أنه لزاماً علي أن أقدم شيئاً لذكراه، فكانت تلك الجدارية عنه وهو يعود إلى فلسطين وهيئته كشيخ كنعاني يواجه الوحش الإسرائيلي الدموي وإلى جانبه حصان ممد عليه والده الذي كان يحلم دائماً بالعودة إلى فلسطين بعد أن هاجر إلى مصر.

 

@ ماذا قدمت من لوحات تعبر عن الانتفاضة الفلسطينية الراهنة؟


قدمت عشرات اللوحات التي تحكي عن الانتفاضة الفلسطينية الحالية (انتفاضة الأقصى) ولكن بسبب كثرة المجازر الإسرائيلية المرتكبة بحق أبناء شعبنا داخل الارض المحتلة بشكل يومي فقد تولد لدي شعور بأنني يجب أن أقدم لوحة أبين فيها الشهداء بشكل جماعي فكانت جدارية عرس الشهداء التي استغرق العمل فيها حوالي 6أشهر، كما قدمت جدارية كبيرة عن مجزرة مخيم جنين، وشاركت في عددٍ من المعارض كان من بينها واحد في إيران فيه ثلاث جداريات عن الانتفاضة الفلسطينية ومن الأعمال التي أنجزتها مؤخراً كانت جدارية عن الأمريكية راشيل كوري التي قتلتها القوات الإسرائيلية في غزة، وكان الدافع لهذه الجدارية إظهار مدى الوحشية الإسرائيلية ضد جميع الأجناس وتكريماً لهذه الفتاة التي رفضت الظلم، وأنا الآن أحاول البحث عن طريقة لإيصال هذه الجدارية إلى اهلها تكريماً لهم.


@
ما هي المجالات التي ترتكز عليها حالياً في أعمالك؟


هناك ثلاث مجالات أركز من خلالها على لوحاتي وهي، أولاً لوحات تتعلق برصد عمليات المقاومة الفلسطينية وإظهار المجازر الإسرائيلية المتكررة بحق شعبنا بدءاً من كفر قاسم ودير ياسين مروراً بصبرا وشاتيلا وصولاً إلى المجازر اليومية التي ترتكب حالياً، المجال الثاني هو التركيز على الفلكلور والتراث الفلسطيني وجمالياته من أغاني شعبية وإظهار للمناسبات المختلفة، أما المجال الثالث فهو الفن الكلاسيكي العادي بعيداً عن التراث والفلكلور الفلسطيني.


@
وماذا عن الحلم الذي يراودك حالياً؟


أولاً حلمي بالعودة لأرض الوطن وقريتي التي ولدت بها وتربيت فيها، وثانياً محاولة جمع كل لوحاتي التي تتجاوز ال 600لوحة ووضعها في مكانٍ أمين وهذا يحتاج إلى جهد مؤسسي، فأنا تجاوزت السبعين من عمري ولا أخاف من الموت بقدر خوفي من ضياع هذه اللوحات التي اعتبرها ملكاً للشعب العربي والفلسطيني لأن فيها توثيقاً لتراثنا وفلكلورنا للأجيال القادمة.

http://tshkeel.com/vb/showpost.php?p=10941&postcount=26

Advertisements

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s